خطبة عرفة 1433هـ

 
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين          أمَّا بعد:
فيا أيُّها الناسَ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، تقوا تهديكم إلى سبيل الهدى والرشاد، وتجنبكم العذاب يوم الحساب.
أمة الإسلام، إن أساس التقوى توحيد الله فوحدوا الله في أقوالكم وأعمالكم، فأخلصوا له الدين لتنالوا الفلاح في الدنيا وجنة النعيم في الدار الآخرة.
أمة الإسلام، بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، والتوحيد الخالص لله، فدعا قومه المشركين من العرب إلى لا إله إلا الله، دعاءهم لأن يقولوا بألسنتهم، ويعتقدوا معناها في قلوبهم، ويطبقها على أرض الواقع، فيجتنب الأصنام والأوثان والتعلق بالأشخاص والدواب، ولكنهم استكبروا عن قولها لعلمهم أنها تنافي ما كانوا يعبدون من دون الله، فقالوا كما قال الله عنهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)، إن التوحيد جوهرة هذا الدين ولبه، والأساس الذي بُني عليه، وهو أول أركان الإسلام وأفضلها، من أجله خلق الله الخليقة كلها: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، إن هذا التوحيد مبدأ توحيد الرسل كلهم من أولهم نوح إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، يدعون إلى توحيد الله وإخلاص الدين لله وقد أخبرنا الله بذلك يقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وأخبرنا جل وعلا أنه بعث الرسل جميعا بهذا الدين: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وهذا الدين الذي دعت إليه الرسل مبني على أن الله واحد في ربوبيته وملكه لا شريك له، وواحد في أسمائه وصفاته لا شريك له ولا نظير له، وواحد في أولوهيته فلا ند له ولا معبود سواه.
أيُّها المسلمون، إنه يجب على المسلم أن يصبغ حياته كلها بتوحيد الله في أقواله وأفعاله وتصرفاته وكل أحواله قال الله جلَّ وعلا: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ)، فيوحد الله في ركوعه وسجوده، وفي ذبحه نذره، وفي رجائه وخوفه، وفي دعائه ورغبته ورهبته، وفي استغاثته واستعانته، كما يوحد الله في جلب طلب النفع ودفع الضر لعلمه أن القادر عليه رب العالمين: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ* إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ).
أيُّها المسلم، إن المؤمن حقا يحافظ على عقيدة التوحيد يحافظ عليها من أن يطرأ عليها ما ينقضها أو يبطلها أو ما ينقص ثوابها، فيجتنب الشرك بالله بجميع صوره، لعلمه أن الشرك بالله مآله النار: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)، ويجتنب الوسطاء والشفعاء لعلمه أن الله جلَّ وعلا ليس بينه وبين خلقه واسطة في جذب الضر وإنما الدعاء له وحده قال الله جلَّ وعلا: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ* وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، والمسلم أيضاً يجتنب زيارة القبور وسكانها بالدعاء والرجاء لعلمه أن هؤلاء لا يسمعوا دعاء من دعاهم: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)، وقال: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ).
أيُّها المسلم، إن المؤمن حقا يزين توحيده بالأعمال الصالحة الصلاة والزكاة والصوم والحج والبر والصلة والدعاء وقراءة القرآن والتخلق بالأخلاق الفاضلة من الصدق والأمانة ووفاء بالعهود والتزام بالعقود والبعد عن الجرائم والأخلاق الرذيلة هكذا حياة المسلم، ولهذا المؤمن الذي زين توحيده بالأعمال الصالحة، له خصائص تميزه عن غيره، فمن خصائصه اتزانه في فكره وعقيدته ونظره السليم إلى ما حوله، ومن خصائصه أيضا: أنه ذو نفس مطمئنة وصدر منشرح وإرادة متينة، يتقبل به أحداث الدنيا صبرا على البلاء، وشكرا في الرخاء، ومن خصائصه: أيضا أنه لا يخشى عقبه في سيره إلى الله وحمل رسالة الإسلام والدعوة إلى الله، فهو يستعين بالله ويصبر على ما قضاء الله وقدر عليه، ومن خصائصه: أنه يمد يد العون مع إخوانه المسلمين، يتعاون معهم على البر والتقوى، وكلما يعمل عن امة بالخير والصلاح: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، ومن خصائصه: أنه ذو عدل وإنصاف ومسامحة ولو مع أعداءه: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، ومن خصائصه: أنه ينظر إلى هذه الحياة نظرة تفاءل ويعلم أنها دار عمل يزرع فيها للآخرة، ويتزود لآخرته: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، ويعلم أيضاً أنه بموته تنقطع أعماله، وأن عمله مستمر إلى أن يلقى الله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، ومن خصائصه: أن يؤمن بنصر الله وتأيده لأولياء الله وتمكينهم في الأرض، وأن هذا النصر سواءً بالظهور على الأعداء، أو بالموت على عقيدته ويلقي الله بها مسلما: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)، ومن خصائصه: أن يوالي إخوانهم المسلمين، ويسعى لجمع كلمتهم، وتوحيد صفوفهم، ومن أخلاقه ومن خصائصه: تحكيمه لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في القليل والكثير وأنه لا يقدم رأي من الآراء على مدى الكتاب والسنة عليه قال الله جلَّ وعلا: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، ومن خصائصه: أنه على يقين أن كل داء إلى الله لابد أن يمتحن في نفسه وماله وولده فهو صابر على كل البلايا لعلمه أنه تمحيص للذنوب وترقى بالعبد إلى درجات العلى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، ومن خصائصه: أنه صالح في نفسه مصلح لمجتمعه فنفعه عام ليس قاصر على ذاته.
أيُّها المسلمون، إن عقيدة التوحيد إذا رسخت في أفراد الجماعة فلابد أن تترك أثراً إيجابيا على هذا المجتمع، فيتحول المجتمع المسلم إلى مجتمع طاهر عفيف قوي نقي ملتحم يحافظ على هويته الإسلامية، ولهذا كان لزاما على الأمة الإسلامية أن تنهض جميعا في المحافظة على هذه العقيدة، فالمؤسسات التعليمية تحافظ على هذه العقيدة من خلال مناهجها التي تربي عليها البنين والبنات تربية إسلامية لتقوي صلتهم بربهم، وبدينهم وبنبيهم فيشأ نشأةً صالحة مفيدة، كذلك وسائل الإعلام لما تنشر من فضائل وأخلاق وما يصد إلى محاربة الأفكار المنحرفة والدعوات المشبوهة وكذا كل مؤسسات المجتمع المسلم تحافظ على هذه العقيدة، لأن هذه العقيدة صمام أمل هذه الأمة يحميها من الانحيال الخلقي والانحراف العقدي ويساعد في جمع الكلمة والبعد عن الخلاف كله.
أيُّها المسلمون، ما أحوج البشرية إلى توحيد الله، ما أحوجهم إلى عبادة رب المعبود لا شريك له في الوقت الذي تقدم فيه رُقيا في أنواع المادية إلا أن فئة من هؤلاء لا يزالون غارقين في وثنيتهم، وجهلهم وضلالهم، واجهة قلوبهم خاوية لا أمان فيها نفوسهم شقية لا سعادة فيها، لأن الحياة الطيبة والسعادة إنما هي في عبودة الله وإخلاص الدين لله، ومن شقائهم أن سعى بعضهم في إيجاد فكري مادي مناف للأخلاق مناف للدين والأخلاق والقيم ومبادئ ما أنزل الله بها من سلطان يجعلها نظاماً عالميا يحمل نزع الإيمان به والخضوع لسلطانه، والحق الذي لا شك فيه أن الدين الذي يجمع البشرية أن تؤمن به وتخضع لسلطانه هو الدين الذي بعث الله به عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليكون دستور للمعالم أجمعين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، وهو الحق الذي لا حق سواه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ)، ولهذا الدين المحفوظ بحفظ الله من التحريف والتبديل خصائص تميزه على جميع الأديان المحرفة المبدلة والمغيرة، فمن خصائصه تصديقه برسالات جميع الأنبياء والمحافظة على أصول عقيدتهم، وثوابت شريعتهم قال الله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، ومن خصائصه أيضاً: إلغاء العنصرية لا في اللون ولا في اللغة ولا في الجنس ولا في القبيلة؛ بل إنهم سواء أكرمهم عند الله أتقاهم: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
أيُّها المسلمون، ومن خصائص هذا الدين: جمع بين عمارة الدنيا وصلاح الآخرة، فهو كما يصلح لدنياه ويصلح آخرته فلا تناقض بين الأمرين، ومن خصائصه: أنه يرفع صاحبه إلى المستوى الأعلى في التهذيب الخلق والروح، ومن خصائصه: أنه دين الرحمة، والإحسان والمسامحة، فنبينا نبي الرحمة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، ومن خصائصه: أنه دين عدل فيرفض الظلم بجميع صوره: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، وهذا الدين الحق، هو الدين الذي يجب على الشعوب أن تضع له لسلطانه وتنضوي تحت عدله وإحسانه ورحمته، للتمتع بحقوقها الإنسانية التي ضمنها الشرع الكريم.
أيُّها المسلمون، إن من إيمان الله تعظيم أنبياء الله عليهم السلام، والإيمان بهم وأن الله أرسلهم حجةً للعالمين: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)، وعلى رأسهم سيدهم وأكملهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، فإن إجلاله وتوقيره ونصرته شعبة من شعب الإيمان: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)، وقال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، وبعكس ذلك المستهزئون والساخرون به من أناس انتكس فطرهم وخبث طويتهم، ودنت نفوسهم يعيشون حياة البهيمية، عقول مختل وأفكار منحرفة، وإن زعموا العلم والتقدم.
أيُّها المسلمون، إن من لازم الإيمان بالله أن تكون شريعة الإسلام مصدرا للأنظمة الإسلامية في سياستها الداخلية والخارجية والاقتصاد والتعليمية، وأن الشريعة حاكمة على جميع شؤون الحياة صالحة لكل زمان ومكان، وهل يلزم الناس بها وإن سخطوا، ولا يجوز معارضتها بأي تشريع مهما كان مصدره ولا أن تكون أصول دينها وأحكامها القطعية مجالا للنقد وأخذ أراء الناس حولها؛ بل إذا جاء شرع الله بطل ما سواه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، وشرذمة من البشر حاول الطعن في هذا الدين بحجج واهية وشعارات زائفة، قالوا طعنوا في مسلماته، وثوابته بدعوة حرية الفكر والرأي، زعموا أن الدين لا يصلح لهذه الحياة باختلاف الأحوال، اعترضوا على القصاص والحدود بأنها تنافي حقوق الإنسان، واعترضوا على إكرام المرأة ورفع منزلتها وحمايتها من كل الرذائل بأن هذا تساوي بين الجنسين، وزعموا أن الأمة الإسلامية إذا حكمة الشريعة انزوت عن الدول الراقية وتقوقعت في نفسها كذا زعموا وسمحوا لأنفسهم الطعن في الدين وتأويل نصوصه وزعموا أن هذا هو الرقي، ولاشك أن هذه محاولة باطلة والدعوة اليائسة إنما هي جزء من الحملات التي يشنها أعداء الإسلام ضد هذه الأمة وإبعادها عن دينها وطمس هويتها وتغريب مجتمعاتها وتجر عليها من أنواع التبعية والذل ما لا يخفى.
أمَّة الإسلام، إن لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها، وإن أول هذه الأمة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، آمنوا بهذا الدين وآمنوا بالنبي الكريم وبدؤوا بأنفسهم وأهليهم وبذلوا كل غالي ونفيس في سبيل رسالة الإسلام فكانوا خير الأمم وأفضلهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حملوا هم هذه الدعوة وهم هذا الدين، وهم الرعية فنشروا عدل الله ونصروا المظلومين ونشروا دين الله للعالمين حتى عاشوا الناس في ضلال ذلك بأمن وأمان واستقرار وطمأنينة، فواجب علينا محبتهم والترضي عنهم وموالاتهم ونشر فضائلهم وأن نجتنب الإساءة إليهم بكل وسيلة فلهم من الحسنات الماحية ولهم من الفضائل الجمة ما ينغمر فيه ما يظن النقص العيب فيهم، إن أصحاب محمد خير الأمم يجب أن نقتدي بهم في صفاء عقيدتهم وسلامة منهجهم، وفهمهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إن هذا المنهج الذي هم عليه هو ما فهمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وربوا عليه تربية عملية شيء من الأخلاق الإسلامية أصوله وفروعه، وأخلاقه وقيمه، وهذه السلفة الصالحة أو السلف الصالح كما عرفه العلماء، وإن نبينا صلى الله عليه وسلم أرشدنا عند اختلاف المناهج والفتن والاضطرابات أن نلزم سنته وسنة خلفاءه الراشدين وقال: "فمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي تمسكوا وعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ"، فالسلفية ليس دين جديد ولا منهج مبتدعا ولكنها امتداد لفهم الصحابة لكتاب الله ولسنة رسوله وتفسير الوحيين والعمل بهما فرضي الله عن الجميع.
أمُّة الإسلام، إن عالمنا الإسلامي يشهد فتناً يشهد بمصائب وفتناً ومآسي وسفكا للدماء وتخريب الممتلكات وتدمير الأوطان، وهذا يدعو إلى الآسف الشديد والحزن العظيم، فواجب حكام الشعوب الإسلامية أن يجتمعوا على الأخوة الإسلامية لأجل الحوار والتفاهم وحل الخلاف وإرجاع المختلف إلى أحكام الشريعة ونبذ الخلاف وحقن الدماء وعدم استعمال السلاح فيما يهدد الأمة، وأن نحذرهم من مكائد أعدائهم الذين يحاولون زعزعة ما بين الشعوب وحكامها بآثار الطائفية، الطائفة البغيضة ولزعزعة الأمة ونزع الأمة وسلب أمانها واستقرارها فالحذر الحذر من مكائد أعدائها، إن من يناجي الأمة من هذه الأحداث والمصائب أن تحي التضامن والتعاون بين المجتمعات الإسلامية.
فيا أُّها المسلمون، عندك أساس عظيم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، جمعت قلوبكم ووحدت شملكم، فبنوا عليها من المودة والمحبة وضعوا اللبنات فوق اللبنات ليتكاتف الوحدة بين المسلمين تبادل الخبرات بينكم في الاقتصاد والتجارة والسياسة والعلوم العامة، وكل ما تحاجون إليه ليكون التفاهم على المسائل المصيرية والهموم المشتركة، والجهود تبذل في سبيل ذلك.
أيُّها المسلمون، يحقق هذا للمسلم أمرين عظيمين: أمراً سياسيا وهو قدوة حكام المسلمين وشعوبها على أن يديروا بلادهم بمحض إراداتهم من غير أملاءات خارجية، وبالاقتصاد أن يزيد الإنتاج واستغلال الخيارات والخبرات في بلاد الإسلام، وتشغيل الأيادي العمالة والاستعانة بالعقول النيرة لتنفع الأمة وأن لا تهاجر إلى غير ديار الإسلام.
أيُّها المسلمون، إن مما يخلص الأمة من الانحلال والانحراف الأخلاق والسلوك تربية النشء والأبناء تربية إسلامية على الأخلاق الفاضلة وإبعاد الشر والمنكرات عنهم وقطع كل وسيلة تفضي إلى الانحراف الخلقي من سفور وتبرج واختلاط بين الجنسين والسماح للقنوات الفضائية بنشر العري والتفسخ والانحلال الأخلاقي من كتب ومجلات وإبعاد شبابنا عن هذه المنكرات، عسى الله أن يمن علينا بالثبات على الحق، فلابد من توعية صادقة لنحذر الأمة من هذه الوسائل المدمرة.
أمُّة الإسلام، إن المال عصب الحياة، ووسيلة الأمة وتقدمها وحل مشاكلها فعلى أرباب الثروات وعلى صناع القرار أن يرشد الأمة إلى أن تصرف هذه الأموال في مشاريع داخل البلاد الإسلامية لتقوية اقتصادها وتهيأ الفرصة لشبابها، وأن نعلم أن هناك أموال مودعة لبعض أبناء المسلمين في غير الإسلام، في غير البلاد الإسلامية مما ساعد على نمو اقتصادها وتقدمها ولو كانت هذه الأموال تستعمل في بلاد الإسلام لأداء إلى نمو اقتصادها وإقامة المشاريع العلمية، والاقتصادية في الأمة، وهذا الأمر هو الذي نستطيع بواسطته أن نعالج الفقر والتخلف والباطلة.
أمُّة الإسلام، ما أحوج البشرية إلى رحمة الإسلام وعدله، فإن البشرية في هذا الزمن رغم التقدم العلمي والمادي إلا عنده تخلف في الجانب الروح والأخلاق، فقدوا العدل عدلا والإنصاف والرحمة، فما أحوجهم إلى رحمة الإسلام التي رحم الإنسان الحيوان، وما أحوجهم إلى عدل الإسلام الذي لا يسمح للقوي بالظلم والعدوان، ولا يعطي حق النقد لميزان العدل ليضرب حق الضعفاء خلف الحائط وتحدون العالم لأجل مصالحهم الخاصة، فلو كان ميزان العدل بين الناس لما وقع البشرية فيه من هذه الفوضى والعار والتخاذل، وتصفية الحسابات على دماء المسلمة وإبادة الشعوب كثيرة لمصلحة مادية.
أيُها المسلمون، يا شعوب الإسلام، أشكروا الله جل وعلا أن كرمكم بالإسلام، وهداكم لهذه العقيدة الصحيحة، فاشكروا الله عليها، واحمدوا الله عليها، واحرصوا وتعاونوا مع قادتكم فيما يصلح شعوبكم، ويقوي اقتصادكم، ويجنبكم الزلل، واحذروا من الدسائس التي تعصر بكم وإيقاعكم في ظلمات وأمور تعرفونها.
أمُّة الإسلام، إن هناك شعارٌ في هذا الزمن بين المسلمين يدعوا إلى دولة مدنية ديمقراطية غير مرطبة بالشريعة الإسلامية وتقر كثيرا من المنكرات، وهذا بلا شك بدعوة الحرية الشخصية، وهذا بلا شك ينافي تعاليم الإسلام يخالف الكتاب والسنة وأصول الشريعة، فإن شريعة الإسلام هي القادرة على التوفيق بين الأفراد والحكام، ولا يخرج شيء من تعاليم الشريعة عن نطاق الإسلام، فيجب علينا أن نحافظ على ديننا، وأن لا نتنازل عن أي حق من حقوق الإسلام مهما كانت الأحوال قال الله جلَّ وعلا: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ* إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ).
أمُّة الإسلام، إن مما أفسد الأمة انتشار الشعوذة والسحر والتنجيم بين أفرادها الذي أفسد العقيدة وأنشأ الخلاف وذم الأسر وأضر بالأمة وأوقع مشروع الفساد، وقطها صلتها بربها، وتعلقها بهذه الخرافات والضلالات، ولاشك أن السحر تعلمه كفر وضلال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر الشرك والسحر" فاجتنبوا رحمكم الله.
عبَّاد الله، إن الإعلام في هذا الزمن خير أداة لتوعية الناس والشعوب، وتوليه الخير والشر، ولكن للإعلام الإسلامي تميز عن غيره فهو إعلام إسلاميٌ يدعو إلى الإسلام ويصلح بين الأمة ويحل مشاكلها، فعليهم الصدق فيما يقولون وما يدلوا من حلول، وأن يكونوا عونا للدعاة، والعلماء، وأهل الفضل بتبصير الأمة، وأن يكون الإعلام جادا في عرض قضايا الأمة وحلها بالحلول المناسبة، وأن لا يجعل فرصة ميدانا منبرا للسوء والفساد.
أيُّها الحكام، إن شعوبكم أمانة في أعناقكم، أتمنكم الله على رعايتهم، فاتقوا الله فيهم، وبذلوا كل جهدكم في تحقيق صلاح حياتهم الكريمة ودفع معاناتهم والسعي فيما يحقق حياتهم الكريمة كما يردون، وساوهم بالعدل والإنصاف فإن العدل والإنصاف من أسباب تقارب القلوب وحل المشاكل.
أيُّها المسلمون، لقد علمتم وقرأتم ما حل بالدول الصناعية والاقتصادية من تحديات اقتصادية وأزمات مالية أوقعتهم في مشاكل عجزوا عن حلالها، وهذا والله أعلم من أسبابه المعاملة الربوبية والأنظمة الربوبية فإن الله أخبرنا أن الربا ممحوق البركة: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)، فعلى المسلمون أن يهتموا بأنفسهم ويخلصوا اقتصادهم من الربا من جميع أنواعه، فإن هذا خير وبركة.
أيُّها الشاب المسلم، تحمل قوة جسميه وقدر جسمية وقوة ثقافية وعواطف جياشة، فاتقي الله واستعملها في طاعة الله، ولتكن لك شخصية متميزة، شخصية بالتمسك بالدين والدعوة إليه، واحذر التميع وتقليد الآخرين.
أيها الآباء والأمهات، نحن في زمن كثرة فيه المغريات، وأنواع الفتن التي صرفتنا عن دين الله، وأفسدت أخلاقهم، 30.12 ، فعلى العلماء وعلى الآباء والأمهات وعلى العلماء وعلى المربين ومرافق التربية أن يبصروا الأمة ويحذروها من هذه الوسائل المدمرة، وآثارها السيئة التي لا خير فيها.
أيُّها الدعاة إلى الإسلام، أيها الدعاة والعلماء، اتقوا الله في أنفسكم، واعملوا أن الله شرفكم بالدعوة إليه فقبلوا هذه البشرى، إن الله يقول: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ)، والله يقول: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، أدعوا إلى الله دعوةً صادقة، أدعوا إلى الله بمنهج واضح في ظاهره وباطنه، أقتدي بأنبياء الله ورسوله، فإنهم دعوا قومهم إلى دعوة صادقة وفهماها قومهم منهم؛ ولكن الشقاء يغلب على كثير من الناس فيحول بينهم إلى الهدى والتقوى، ألم تسمعوا إلى أنبياء الله يقول هود لقوم هود: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، فاعلموا من أن دعوة هود أنهم جاءهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ويقول صالح لقوم صالح: (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، ويقول لوط لقوم لوط: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)، ويقول شعيب لقوم شعيب: (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).
أيُّها المسلمون، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان واضحا في منهجه للدعوة إلى الله واضحا جليلا يعرف قومه بذلك قال الله جلَّ وعلا: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، ومحمد صلى الله عليه وسلم دعا إلى لا إله إلا الله لإخلاص الدين لله، وإلى الأخلاق الكريمة، يسأل هرقل أبا سفيان عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم قائلاً له: ماذا يأمركم؟ قال: يقول أعبدوا الله لا تشركوا به شيئا ودعوا ما كان عليه أبائكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة، قال: أيكذب؟ قال: ما جرى على الكذب قط، هكذا محمد صلى الله عليه وسلم.
دعاة الإسلام، أدعوا إلى منهج قويم إلى منهج واضح في أحواله كلها، وإياكم والدعوات المشبوهة المغلفة التي لا يدري ما وراءها، تلك الدعوات التي لا يعلم حقيقتها إلا رموزها وسائر الناس لا يدرون عنها مخفي عن الأمور، دعوة سياسية مغلفة لا تدعوا للدين والتقوى، دعوة تمزق ولا تجمع، وتفرق ولا توحد، نحن دعوة تجمع وتوحد ولا تمزق، إن الدعوة الصادقة هي الواضحة في منهاجها وتعاليمهما لا دعوة مغلفة لها صور ظاهر وباطنه، نريدها دعوة صادقة لا حزبية ولا تجمعات، نريدها دعوة إسلامية قائمة على المنهج القويم الذي بعث الله به خاتم الأنبياء والمرسلين.
حجاج بين الله الحرام، أشكروا الله أن هيأ لكم الوصول إلى بيت الله الحرام، وأعانكم على ذلك، حضرتم إلى الديار المقدسة، وها أنتم في عرفات متظاهرين بمظهر التوحيد في أنكم تعبدون ربا واحدا، وتنتسبون إلى دين واحد، وكلمتكم لا إله إلا الله واحدا، وتقتدون بنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وأداؤكم بهذا الركن العظيم، وأنتم تنتسبون إلى أمة واحده، تجمعها عقيدة الإسلام، وأخوة الإيمان، فاحذروا الهتافات الوطنية والشعارات القومية والرايات العصبية، نحن في بلاد الحرام في تكبير وذكر وطاعة لله.
أيُّها الحجاج، أجعلوا من هذا التجمع سببا لقلوبكم، وتوحد صفكم، ولتكن يدا واحدة ضد أعدائكم وأن لا تكونوا عونا لأعدائكم عليكم وعلى إخوانكم المسلمين.
أيُّها الحجاج، إنكم أتيتم إلى بيت الله الحرام ووجدتم حرما أمناً، رخاءً سخاءً قد هيأ الله الأمن والاطمئنان ورغد العيش فاشكروا الله على هذه النعمة، واعرفوا لهذه البلاد حقها وسألوا الله لها التوفيق والسداد، واحترموا أمن هذا البلد واحترموا كل الأنظمة التي وضعت لأجلكم وراحتكم، واعرفوا قدر هذه النعمة وقوموا لله بما يجيب.
أمة الإسلام، إن الله جل وعلا هيأ للحرمين الشريفين الحرم المكي الشريف ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الدولة المباركة حكام ورجل صادقين بذلوا كل جهدهم في سبيل راحة الحجيج وأنفقوا كل غالي ونفيس كل هذه في سبيل صلاح الأمة، فمنذُ أن قام الملك عبدالعزيز رحمه الله بتوحيد هذه الجزيرة وجمع شملها وإرسال الأمن في ربعها وقادة هذه البلاد أبناءه البررة الكرام كل واحد له لمسات في هذا الحج، وكل يسعى في تحقيق مصلحة الحجيج فما هذه التوسعة الضخمة والتوسعة الهائلة والمجال الضخمة والخدمات المتكاملة بذلة الأموال والرجال ورجال الأمن والتوعية والصحية وكل ما يحتاجه الحاج من خير، تيسرت الدولة جميع إمكانياتها فجزاء الله خادم الحرمين وولي عهد خير الجزاء والثواب، والشكر موصول لوزير الداخلية ونائبه بما ما قاموا من واجب، والشكر موصول لأمير هذه المنطقة خالد الفيصل رئيس اللجنة المركزية وما قاموا من واجب فجزاء الله الجميع خيرا وأثاب الله خيرا على ذلك.
حجاج بيت الله الحرام، أنتم في يوم عرفة هذا اليوم العظيم أفضل أيام الله على الإطلاق، فاحمدوا الله على هذه النعمة، هذا يوم أكمل الله فيه الدين وأتم فيه النعمة أنزل الله على عبده ورسوله محمد: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، هذا يومٌ أقسم الله في كتابه العزيز: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)، هذا يومٌ عتق من النار يقول صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر ما يعتق الله فيه عبيدا من النار مثل يوم عرفة وإنه ليدن فيباهي الله العباد"، أشكروا الله على هذه النعمة وقوموا لله بما أوجب عليكم، أكثروا الدعاء في مثل هذا اليوم: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ" وخير ما قال الأنبياء يوم عرفة: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ"، هذا يوم: "من حفظ سمعه وبصره ولسانه غفر الله له"، في مثل هذا اليوم يتنزل رب الإله من عرشه في هذا اليوم يباهي أهل السماء: "انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا، ضَاحِينَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمُ"، فجدوا واجتهدوا، قفوا بهذا الموقف العظيم وتحرروا حدود عرفة، وقفوا بها إلى غروب الشمس، صلوا بها الظهر والعصر جمعا وقصرا كما سنفعله إن شاء الله، انصرفوا إلى مزدلفة فصلوا بها المغرب والعشاء وبيتوا فيها معظم الليل وللعجزة الحق أن ينصرفوا بعد نصف الليل ليرموا الجمرة ويكملوا حجهم.
أيُّها الحاج الكريم، أتقي الله في نسك وأدها كما أمرك الله به، قف بعرفة بِيت بمزدلفة، أرمي جمرة العقبة، أحلق أو قصر رأسك، طف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة، بيت بمنى، أرمي الجمار في الحادي عشر والثاني عشر إن تعجلت وأنصرف إن تعجلت، أو اليوم الثالث عشر إن تأخرت.
أيُّها الحجاج الكرام، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، أوصيكم بتقوى الله، حافظوا على هذه الصلوات الخمس فإنها عمود الإسلام، والركن الثاني من أركان الإسلام، حافظوا عليها في أوقات الجماعة، واعملوا أن من ضيعها أو فرط فيها يُخشى أن لا يقبل عمله.
فيا أيُّها الحاج، تب إلى الله في هذا اليوم من جميع الذنوب، إن كنت ظلما العباد في دمائهم، أو أموالهم أو أعراضهم، فتب إلى الله، تب إلى الله من جميع سيئاتك وخطاياك مهما كثرة وتعاظمت: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، والله يقول: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، أقوموا لله واستجيبوا لدين الله، وأدوا ما أوجب الله عليكم، وتوبوا إلى الله من سيئات أقوالكم، وأعمالكم لعلكم تفلحون.
اللَّهمَّ أنت الله لا إله إلا أنت نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن توفق المسلمين لطاعتك، اللَّهمَّ أغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم وهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللَّهمَّ اجعل حجنا مبرورا وسعينا مشكورا وذنبنا مغفورا يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَالله بنَ عبدِالعزيزِ لكلِّ خير، اللَّهمّ سدده في أقوله وأعماله وأمده بالصحة والسلامة والعافية ووفقه لما تحبه وترضاه، اللَّهمَّ وفق ولي عهده سلمان بن عبدالعزيز لكل خير، وسدده في أقواله وأفعاله، اللَّهمَّ آمنا في أوطاننا وأصلح ولاة أمرنا ووفق جميع المسلمين لطاعتك، اللَّهمَّ أرفع البلاء عن المظلومين، وأنصر على من بغى عليهم إنك على كل شيء قدير، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرَ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

drsodio: 
http://haj.af.org.sa/sites/default/files/araafa--1433.mp3
videofile: 
رابط اليوتيوب: 
http://www.youtube.com/embed/95IzvcQxgOw