المواقيت الزمانيه والمكانية وانواع النسك

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين محمد بن عبدالله فصلوات الله وسلامه عليه أبدا دائما إلى يوم الدين وعلى آله وعلى صحابته أجمعين وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، نشكر الله جل وعلا على هذا اللقاء المبارك، ثم نشكر لمؤسسة الدعوة الخيرية ترتيب هذه اللقاءات وتنظيم هذه المحاضرات والندوات والحرص على نشرها وبثها تفقيها للناس في أمور دينهم ومساهمة في العلم الشرعي ولا شك في موسم الحج خاصة.
أيها الأخوة: إن موضوعنا الذي قيل نتحدث عنه هو المواقيت الزمانية والمكانية، أنواع نسك الحج هذا الموضوع الذي طلب منا التحدث عنه فأولا إن الله جل وعلا افترض الحج على أمة الإسلام وجعله فريضة العمر من أداه في عمره مرة فقد أدى الواجب وبرئت ذمته في ذلك يقول صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس قائلا: "أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" فقام (الأقرع بن حافز) فقال: أفي كل عام يا رسول الله فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ذروني ما تركتكم" هذا من نعمة الله على المسلمين الذي (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) لو أوجبه عليهم كل عام أو بالعمر مرات متعددة لكان في ذلك من الحرج والمشقة على الناس ما الله به عليم وصدق الله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، والحج إلى بيت الله الحرام عبادة قديمة جدا لكن اختصت هذه الأمة بوجوبها عليها، أما حج قبل الإسلام فإنه من باب التطوع أما فرضيته فإنما هذا من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم والحج فرض على المسلمين إما في العام السادس أو التاسع أو العاشر على خلاف بين العلماء في ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا حجة واحدة عام عشر من الهجرة يسميها العلماء حجة الوداع، أما قبل الهجرة فقالوا أنه حج مرة أو مرتين لكن الحجة المعتبرة والتي عليها مدار الأحكام والتي استنبطت منها أحكام الحج هي حجته الوحيدة عام عشر من الهجرة ولم يبقى بعدها على الدنيا إلا ما يقارب ثلاثة أشهر صلوات الله وسلامه عليه، الله جل وعلا عظم بيته الحرام وجعله بلد آمنا وعظم شأنه ورفع قدره فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قال: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) هذا البلد العظيم الذي اختاره الله من سائر بقاع الأرض فجعله أفضل البقاع وأكملها وأطيبها فهو خير أرض الله على الإطلاق قال صلى الله عليه وسلم وهو يعزم الهجرة إلى المدينة يقف عند حجرته ويقول: "والله إنك لأحب البقاع إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت" صلوات الله وسلامه عليه، النبي صلى الله عليه وسلم أوضح الشريعة وبين الأحكام وما انتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد أكمل الله به الدين وأتم به النعمة ورضي به الإسلام لنا دينا فما مات صلى الله عليه وسلم إلا وقد بلغ رسالات ربه فأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد بالله حق جهاده صلوات الله وسلامه عليه فتح الله عليه مكة عام ثمان من الهجرة فأمر على الحجيج عتاب بن أسيد أمير مكة وفي العام التاسع من الهجرة جعل الوالي على الحج أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليعلن طهارة البيت من الطواف عريان والشرك كذلك ويعطي المشركين عهدهم إلى مدتهم ومن ليس لهم عهد فإلى أربعة أشهر، فلما خلى البيت من الشرك وأوضار الشرك وطهر من نجاسة الشرك ونتائجه حجه المصطفى صلى الله عليه وسلم حجته العظيمة حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج بالمدينة بين أحكام الحج خطبهم فقال لما سئل ما يلبس المحرم فقال: "قال يلبس القميص ولا السراويل ولا العمامة ولا البرانس ولا الخفين إلا ....إلخ) ثم لهم مواقيت الحج المكانية أوضحها لهم وبينها لهم فإن مواقيته الزمانية دل القرآن عليها: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) الآية، أما مواقيته المكانية فقد جاءت السنة ببيانها جاءت من طرق: أولا جاء قوله صلى الله عليه وسلم: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة ويهل أهل نجد من قرن ويهل أهل اليمن من يلملم"، وجاء وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن أمر المواقيت أمر مؤكد، قال العلماء: إن الله جل وعلا عظم البيت فجعل المواقيت حيما للحرم وجعل الحرم حيما لمكة، وجعل مكة حيما للكعبة المشرفة زادها الله تعظيما ومهابة وبرا، فالمقصود أن المواقيت وقتت وحددت فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الحليفة وهو لأهل المدينة ومن أتاهم من غير أهل المدينة، وجعل الجحفة للشام لكنه من أخبار النبوة الصادقة، وجعل لأهل اليمن يلملم وجعل لأهل نجد قرن المنازل، وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة" فقوله صلى الله عليه وسلم: "هن لهن" أي هذه المواقيت لتلكم الأماكن التي حددت لها وهي أيضا لمن أتى عليها من غير أهلها فليس وجود ذو الحليفة خاص بالمدينة وأنه لا يحرم منه إلا المدني خاصة لا لأن ظاهر اللفظ "هن لهن" لكن لما أتى اللفظ الثاني دل على أن هذا الميقات أهل المدينة شركوا لهم ولمن أتى من طريقهم يشاركهم في ذلك ولذا قال: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن"، قال شيخ الإسلام رحمه الله: في منسكه وكان أهل الشام يحرمون قديما من الجحفة ثم انتهى الأمر إلى أن أصبحوا يحرمون من المدينة إذ هم يمرون بها قبل الذهاب إلى مكة فيكونوا إحرامهم من ذو الحليفة، فوقتها صلى الله عليه وسلم فدل على وجوب التقيد بها، وأنه لا يجوز لمسلم أراد نسك حجا أو عمرة أن يمر بهذه المواقيت إلا وهو محرم: قال العلماء: إن إحرامه من تلك المواقيت يشعره بعظم الأمر، يشعره بعظم المسؤولية، يشعره بأنه سيقدم إلى بلد مبارك وبلد آمن وبلد له شأنه ومكانته، فليستعد لذلك وليأخذ حيطته وليتهيأ للوصول إلى هذا البلد الأمين، وليعلم أن لهذا البلد الأمين خصائص ومميزات ليست لغيره فإحرامه من المواقيت إشعار له بهذا، قال العلماء: وتعدد المواقيت رفقا بالأمة وتيسيرا عليها وجعلت المدينة أبعدها عن الحرم قالوا: لارتباط المسجدين بعضها ببعض وليعظم أجر من أحرم من المدينة ونوعت المواقيت ولوحظ فيها جهات العالم، كله فقرن المنازل يحرم أهل نجد منه ومن أتى عليهم من الخليج أو من الشرق عموما، ويلملم لأهل اليمن ومن أتى مر بها سواء جاء من اليمن أو قبل اليمن برا أو بحرا، وذو الجحفة لأهل الشام ومصر، وذات عرق قيل إن الذي وقتها عمر وهو في الصحيح وجاء في حديث أبي داوود عن عائشة أن الذي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر رضي الله عنه إن لم يبلغه النص فإنه ملهم موفق للصواب فرضي الله عنه وأرضاه، هذه المواقيت يجب الإحرام منها أما من مر بها لا يريد حجا ولا عمرة فإن له أن يمضي بلا حرج ولا يلزمه الإحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة" فمن أراد حجا أو أراد عمرة فلا يجوز له مجاوزة ميقات مر به إلا أن يحرم منه ولو تعدى ذلك الميقات وأحرم من غير ميقاته الذي مر به فهذا موضع بين العلماء هل هذا يجزئه أم لا؟ منهم من أجاز هذا الأمر وقال النبي: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" ومنهم من منع ذلك، وقال إذا مر بميقات فيجب أن يحرم منه، وأما إذا مر بغير ميقاته فيحرم منه لكن لا يجوز له تجاوز ميقاته الأصلي إلى ميقات أقرب لمكة، فمثلا لو جاء مدني وأراد أن يحرم من الجحفة فإن من العلماء من يمنعه ويقول: هذا خالف الصواب لأن هذا الميقات أول نقطة مر بها فيجب أن يحرم منها ولا يجوز تعدي هذا الميقات لغيره، لأن النبي قال: "هن لهن" وقال بعضهم بالجواز إذا كان إحرامه المرور بالميقات لكن الاحتياط للمسلم والأخذ بالحزم ألا يجاوز ذلك الميقات حتى يحرم منه وينشئ الإحرام من ذلك الميقات فهذا أبرئ لذمة المسلم وأحوط لدينه وخروجا من خلاف من خالف ذلك، وهذه المواقيت المكانية هي كما سبق والنبي صلى الله عليه وسلم قال بعد ذلك: "ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشئ" يعني: من كان دون المواقيت فإن ميقاته المكان الذي هو فيه فمن كان منزله داخل المواقيت فيحرم من المكان الذي هو نازل به ولا يلزمه أن يعود إلى الميقات الذي خلفه لأن في هذا مشقة وحرجا، قال حتى أهل مكة من مكة يعني: أهل مكة يحرمون من مكة أي يحرمون بالحج من مكة لا بالعمرة لأن المكيين إذا أرادوا الحج أحرموا من مكة لأنهم سيخرجون إلى منى ثم يذهبون إلى عرفة للحل فيجمعون بين حل وحرم، أما لو أرادوا العمرة فإن العمرة لا بد أن يخرجوا إلى الحل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلبت عائشة منه أن تأتي بعمرة بعد أعمال الحج لأن ضراتها كن أتينا بحج وعمرة أمر النبي عبدالرحمن أخاها أن يذهبا بها إلى التنعيم قال العلماء: فيدل على أن أهل مكة لا ينشئون من مكة إحرامهم لأنه لو كان هذا ممكن لأنشأته من مكانها في منى لكن كون النبي أخرجها من التنعيم إلى الحل مما يدل على أن المكي لا بد أن يجمع بين حل وحرم وبهذا تتفق النصوص ولا يكون اختلاف، قال العلماء رحمهم الله: والإحرام قبل المواقيت مكروه الإحرام بالحج أو للعمرة أي نية الدخول في النسك نية الدخول في نسك الحج أو نية الدخول في نسك العمرة قبل المواقيت مكروه، وبالغ الإمام مالك رحمه الله فلم يرى ذلك جائز وقال: أخشى أن هذا الذي أحرم من بيته أن يقول إني أكمل حال من رسول الله النبي أحرم من ذو الحليفة وأنا أحرمت قبله فكان يشدد في ذلك وينهى عن ذلك ويرى أن هذا خطأ وتنطعا، وأن الواجب أن تنتظر الميقات المحدد لتنطلق نيتك من حول الميقات من الميقات، ومن العلماء من جوز ذلك وقال هو جائز لكنه مكروه لكن عمر رضي الله عنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان رضي الله عنه إحرامه من خرسان، وقال عمر لابن حصين أصحاب محمد يحرمون من هناك لا يقتدي بكم الآخرون فكأنه يقول لهم اتركوا الإحرام إلى أن تأتوا الميقات وهذا لاشك أن فيه مصلحة لأن الإحرام قبل يلزمك بأمور الإحرام وربما عرضك عارض، وربما جاء أمر حملك على بعض تحمل الفدية، فالإحرام من الميقات فيه إتباع السنة أولا قبل كل شيء، ثم فيه راحة الإنسان وطمأنينته حتى لا يقع في مشاكل في الإحرام، وأما المواقيت الزمانية فإنها شوال، وذو القعدة، والعشر من ذو الحجة على خلاف بين العلماء، هل يستكمل الشهر أم لا؟ والإحرام في المواقيت الزمانية أيضا مطلوب بأن يكون نية الدخول في النسك الحج أن يكون في أشهر الحج في شوال أو في ذي القعدة أو في تسعة أيام من ذي الحجة؛ لكن لو أحرم في الحج في رمضان فإن من العلماء من يمنع ويقول أن الله يقول (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) فبين الله أن الحج أشهره معلومات معدودات إذا فإحرامك بالحج في رمضان خروجا عن هذا، ويكون إحرامك مخالفا لهذا لأنك لم توقع الإحرام في أشهره المعتبرة، ولهذا من العلماء من يمنع ويقول: الإحرام بالحج قبل أشهره يتحول عمرة ويتحلل بعمرة ولا يلزمه ذلك، ومن العلماء من تساهل في هذا الأمر لكن الإحرام بالحج قبل أشهره لا يمكن أن يكون معه تمتع لأنه لو أحرم في رمضان بالحج وأدى طواف القدوم فإنه إذا أدى طواف القدوم يكون هناك إفرادا أو قرانا ولا يكون متمتعا وعلى كل حال، فالإحرام في الحج في أشهره إتباع للسنة وعمل بها وخروج من خلاف من يمنع ذلك لأن المانعين من الإحرام بالحج قبل أشهره معهم دليل من القرآن ومعهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم القاعدة العامة وهي درء المفاسد قد ترتب عليه في إحرامه قبل أشهره من تحمله مالا يطيق وإتباع السنة فيه الراحة والطمأنينة، وفيها أداء النسك براحة بال وانشراح صدر، هذا مما يتعلق بالمواقيت الزمانية والمكانية ولنعلم أن الإحرام هيئة طيبة، وهيئة خيرة، وهيئة تدل على الخير والإيمان لأن الحج أقيم على توحيد الله وإخلاص الدين له، والصبر على إتعاب النفس وإنفاق المال والطمع فيما عند الله يوم القيامة، وتآلف القلوب، واجتماع الكلمة وتعارف المؤمنين فيما بينهم فالإحرام مظهر خير يوحد المؤمن في هذا اللباس الخاص ويذكر العبد انتقاله من الدنيا، وأنه سينتقل من الدنيا بكفنه فقط وما خلفه من أموال وقصور وثروات فإنها كلها مضمحلة ما يلحقه في قبره سوى هذا الكفن الذي يكفن فيه وما سوى ذلك فهو مضمحل فهو يذكره الآخرة ويزهده في الدنيا ويعلمه حقارة الدنيا ويذكره أن هذا الإحرام يستوي فيه المسلمون على اختلاف طبقاتهم المادية والمعنوية، يحرم بهذا الإزار والرداء الغني والفقير والرئيس والمرؤوس والحاكم والمحكوم كل سواء لا تفاخر ولا تباهي وإنما هي إحرام يوحد الناس كما درى في صفوف المصلين وراء إمامهم يقف الناس وراء الإمام على اختلاف طبقاتهم المعنوية والمادية كلهم في صف واحد وراء إمام واحد يأتمون به، إنما جعل الإمام ليؤتم به، فهذه شعائر الإسلام هي تقوية للتوحيد في القلوب وربط للعباد بربهم وتقوية صلتهم بخالقهم ورازقهم، كان السلف عند الإحرام لهم أحوال عظيمة يظهر من خوفهم ويظهر من شفقتهم وقوة يقينهم ورغبتهم بما عند الله ما الله به عليم، ويستشعرون عند الإحرام مكان البيت العتيق ويستشعرون حقارة الدنيا وانقضاءها، وأن العبد لا يرحل منها إلا بهذه الأكفان كما في الحديث: "إذا مات الميت تبعه ثلاث أهله وماله وعمله فيرجع اثنان يرجع الأهل والمال ويبقى العمل"، نسأل الله أن يكون قريننا عملا صالح نسعد به يوم لقاء الله، قال العلماء رحمهم الله: عند الميقات يستحب للمسلم الاغتسال إتباعا للسنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإحرامه واغتسل وأمر الحائض والنفساء بالغسل لأجل الإحرام وإن كنا لا يصلين مما يدل على أن الغسل لهذه العبادة مستحب كما أن غسل الجمعة كل الجمعة للرجال مستحب، فغسل الإحرام مستحب لجميع الحجاج رجالهم ونسائهم كما أمر النبي الحائض وأمر النفساء بذلك، وهذا الغسل سنة مؤكدة وينبغي أن يكون قريب الميقات ولو شق عليه عند الميقات لخوف البرد أو قلة أماكن أو زحام فأغتسل في منزله قريبا من ذلك أو مسافة قصيرة كعلا الطائرة فإن ذلك لا يؤثر عليه شيئا، فإذا اغتسل وتطيب ما استطاع فإن النبي صلى الله عليه وسلم جرى له في الإحرام سنن أول اغتسل طاف بالنساء تلك الليلة، ثم اغتسل فلما اغتسل لبس إزاره وردائه ثم طيبته عائشة بأطيب الطيب حتى قالت كنت أنظر إلى طيب في مفارق رأس النبي صلى الله عليه وسلم طيبته بأطيب الطيب وهذا دليل على سنية الطيب للإحرام، ثم قال العلماء بعد ذلك ينبغي أن يصلي ركعتين قبل الإحرام هذه السنة قبل الإحرام تحدث الناس حولها من العلماء وهم عامة العلماء السابقين يقولون إن للإحرام سنة تخصه وأيدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في وادي العقيق: "أتاني آت من ربي هذه الليلة وقال صلي في هذا المكان المبارك ركعتين وقل حجة وعمرة"، قالوا لو أنه كان يريد الفرض فالفرض ما فيه إشكال ولا فيه أمر لأن الفريضة مستقل الفرض، إنما هذا سنة لأجل الإحرام هكذا أثبتها كثير من العلماء وجمهورهم، ومن العلماء من لا يرى ذلك ويقول ليس للإحرام سنة معتبرة ولم يأمر بها النبي، والنبي أحرم عقب الفريضة فإن اتفق عقب الفريضة فالحمد لله وإلا فلا سنة له، وبعضهم قال يتوضأ ويجعلها سنة الوضوء، ولكن تطمأن النفس بعد القراءة والإطلاع على أن للإحرام سنة، وينبغي فعلها وهي طاعة لله وتقوية للمسلم في رغبته للخير وهذا ولله الحمد لا إشكال فيه، ثم بعد غسل المحرم وتطيبه يعلن دخوله في النسك، فإن نية الدخول في النسك شرط لصحة الإحرام وهي ركن من أركان الإحرام ولهذا قال العلماء: أركان الحج نية الدخول في النسك بأن ينوي أنه دخل في هذا النسك إما قرانا إما إفرادا إما تمتعا ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لبيك حجا وعمرة"، لأنه اختلف تلبيته بعضهم سمع منهم أنه لبى بالحج وبعضهم سمع منهم أنه لبى في العمرة وبعضهم سمع منهم أنه لبى بالحج والعمرة والذين نقلوا أنه أعلنها حجا وعمرة ذكر ابن القيم أنهم ما يقارب العشرين صحابيا كلهم أخبروا عنه أنهم سمعوه يقول لبيك حجا وعمرة كما قال أنس سمعته يقول لبيك حجا وعمرة وقال: كنا صبيانا، لقد سمعته يقول لبيك حجا وعمرة صلى الله عليه وسلم، ثم يأتينا بحث النسك الأنساك الثلاثة والأنساك الثلاثة عند العلماء هي الإفراد والقران والتمتع وأجمع العلماء على أن من أحرم بواحد من هذه الأنساك فإن حجه صحيح ولا إشكال فيه سواء أحرم بعمرة متمتعا بالحج، أو أحرم إحراما مفردا أو أحرم إحراما قارنا العلماء متفقون على أن كل هذه الأنساك الثلاثة مجزئة بلا إشكال ولا ارتياب، وإن كان هناك من الظاهرية أو بعض من تبعهم بأنهم يروا وجوب التمتع بأن لم يسق الهدي لكن هذا قول وإن كان ابن القيم رحمه الله أيده ونصره وقبله عبدالله بن عباس من أصل وتبعهم ابن حزم رحمه الله وابن القيم يقول: والذي ندين الله به أننا لو لم نسق الهدي لرأينا واجبا علينا أن نجعلها عمرة اتقاء لغضب النبي صلى الله عليه وسلم لكن علماء المسلمين اتفقوا الجمهور على أن الأنساك الثلاثة كل واحد منها مجزئ بلا إشكال الاختلاف بينهم في فضائله بالتفضيل أي هذه الأنساك أفضل وأما الإجزاء فهذا بالإجماع، وشيخ الإسلام رحمه الله كما سيأتيننا يرى أن الأمر بفسخ الحج إلى العمرة موجه للصحابة فقط وأما من بعدهم فيبقى على السنة لا على الوجوب كما سيأتي.
فأول الأنساك التمتع وحقيقة التمتع أن يقول الحاج عند الميقات لبيك اللهم عمرة أو اللهم لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج، قال العلماء: فإذا قال هذه الكلمة فقد دخل في النسكين جميعا دخل في النسكين وإن كانت سيتحلل بعد العمرة لكن ذكر الحج لكن عند الإهلال جعل المتكلم به ملتزم بالحج، فيقول لبيك اللهم عمرة متمتعا بها إلى الحج فإذا قالها أتى البيت الحرام وطاف وسعى وقصر من شعره وتحلل هذه عمرته انتهت، ثم اليوم الثامن يحرم بالحج لبيك اللهم حجا قال العلماء لو أراد أن ينصرف لما أداء العمرة وطاف وسعى قال انتهيت من عمرتي والحج ما أتى وسأعود إلى بلدي قيل له هذا لا يجوز أنت مطالب بالحج لأنك التزمت به عند الإحرام وإن كان هناك فاصل التحلل ففاصل التحلل لا يسقط عنك وجوب الحج لأنك دخلت فيه بحيث أعلنته مع العمرة فصار عليك واجبا، ولأنهم قالوا إن من أحرم قارنا وفسخ فإن كان فسخه لعذر جازه وإن كان فسخه التهرب من العمرة فإن هذا لا يجوز لأنك التزمت بالحج عند الميقات قائلا لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج، وهذا التمتع له ميزتان أولا: أن النسكين متباينين حج عمرة وتحلل ثم حج نسك كاملين وفيهما الهدي وعليهما طواف الحج العمرة وسعي العمرة وطواف الحج وسعي الحج ولاشك أن هذه أمور تجعل التمتع أفضل الأنساك، لأنه أدى فيه أعمال كثيرة النبي صلى الله عليه وسلم أحرم كما سبق قارنا فلما دخل البيت وطاف وسعى أولا أمر الصحابة قبل الطواف من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة لأن الهدي ما ساقه إلا رسول الله وعلي بن أبي طالب وجزء قلة من الصحابة ومعظم هدي النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أحرم من الحج والعمرة لبد شعره حتى لا يشغله وأحرم بحج وعمرة، فلما جاء البيت أمر الصحابة الذين ما ساقوا الهدي أن يجعلوها عمرة وأن يتحللوا ولما انتهى من سعيه أكد عليهم حتى قال: أتقول سمعنا وعصينا أكد عليهم تأكيدا كاملا أن يخلعوها ويجعلوها عمرة وقال لهم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولا جعلتها عمرة" وقال سراقة بن مالك أفي عامنا هذا قال: "بل لأبد الأبد" مرتبط بالحج إلى يوم القيامة، فأكد عليهم الفسخ وقالوا له يا رسول الله ننطلق إلى منى وذكر أحدنا قال: "أسمعوا وأطيعوا" لأنهم رضي الله عنهم أرادوا أن يتشبهوا به وأن يقتدوا به وأن تكون أعمالهم مثل أعماله، لكنه بين لهم أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لجعلها عمرة معهم إلا أن سوق الهدي منعه، وهذا الهدي يكفي منه الجزء لكن النبي أهدى مئة من الإبل كلها هدي مع أن المجزئ منه سبعها إلا أنه صلى الله عليه وسلم أراد التوسعة على الناس، فالمتمتع عليه طواف في عمرته وطواف وسعي لحجه وعليه الهدي كما هو معلوم قال جل وعلا "فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ".
النوع الثاني: القران وهو أن يجمع عند الإحرام بين النسكين فيقول لبيك اللهم عمرة وحجا، اللهم لبيك عمرة وحجا، قالوا ويبدأ بالعمرة قبل الحج فهذا يكون قارنا، والقارن عمله وعمل المتمتع سواء إلا في أمرين الأمر الأول أن القارن لا يفك إحرامه لأنه أحرم بهما جميعا فلا يتحلل بعد الطواف والطواف في حقه طواف قدوم فقط سنة والسعي في حقه يكفيه عن سعي الحج ،فيكون عليه طواف حج وسعي حج فقط؛ ولكن عليه الهدي، والقارن أيضا يكون قارنا فيما لو أحرم متمتعا ثم ضاق به الوقت وعلم أنه لا يزول إلا بيوم عرفة جاز أن يدخل الحج على العمرة، وإن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أحرمت بالعمرة فلما كانت بالطريق حاضت فدخل عليها النبي وهي تبكي فقال: "ما يبكيك"، قالت كذا فقال: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"، أمرها أمشطي شعر رأسك وامتشطي وقولي: حجة مع عمرة فأحرمت بالحج فصارت قارنه، وهذا لها ولمن ماثلها أو لمن طرأ عليه عذر بعد تمتعه حال بينه وبين أن يحرم متمتعا فلو أحرم بعمرة متمتعا بها إلى الحج لكن عرض له ما سيؤخره إلى يوم عرفة ولا يمكنه معه الذهاب إلى أداء العمرة جاز أن يدخل الحج على العمرة ويصير قارنا وهذا من التيسير والتسهيل للناس.
الثالث: المفرد، والمفرد على اسمه أفرد عمل واحد وهو القائل عند الميقات اللهم لبيك حجا لبيك اللهم حجا، هذا المفرد هو والقارن بينهما شبه في أنه لا يحل من إحرامه، وفي أن الواجب عليه طواف الحج وسعي الحج، وأن طواف القدوم سنة والسعي مع طواف القدوم يغني عن سائر الحج؛ لكن ليس على المفرد هدي لأنه لم يتمتع بأحد السفرين فعليه فقط طواف وسعي وليس عليه هدي، هذه أنواع النسك لكن العلماء اختلفوا أيهما أفضل فمن العلماء من رجح القران كالأحناف رحمهم الله رجحوا القران وقالوا: إن القران فعل النبي صلى الله عليه وسلم وما كان الله ليختار لنبيه إلا ما هو الأفضل والأكمل، فإن الله اختار لنبيه القران، والله يعلم الحال قبل كل شيء، فكونه اختار لنبيه القران والنبي قرن دل على أنه أفضل ولا يمكن أن نقول أحد أفراد الصحابة أفضل من نسك النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا أيضا: إن قوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت تطيبا لنفوسهم وإلا فما كان الله ليختار لنبيه إلا ما هو الأكمل وما هو الأفضل وهذا مذهب بعض العلماء، ومن العلماء من رجح الإفراد وقال الإفراد أفضل لماذا؟ قالوا لأن إتيان المسلم بعمرة في سفر وحج في سفر آخر أكمل وأفضل وهذا الذي اختاره الصديق وعمر رضي الله عنهما وعثمان رضي الله عنهم اختاروا الإفراد ورغبوا فيه وما منعوا المتمتعين وما أنكروا عليهم، لكنهم قالوا لا ينبغي أن يبقى البيت مهجورا لأن عمر رضي الله عنه والصديق قالوا: إنه لو تمتع الناس لكتفوا بسفر واحد وتعطل البيت من الطائفين والزائرين هذا غاية رأيهم رحمهم الله يقولون تعظيما للبيت أن نجعل الحج لسفر والعمرة لسفر آخر فيكون هذا أكمل، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يميل إلى هذا ويرى أن الإفراد بالحج في سفر وإفراد العمرة في سفر أفضل ويحكي إجماعا وإن كان في حكايته إجماعا قد لا يكون تاما لكن الشيخ رحمه الله على سعة علمه حكاه إجماعا أن الحج والعمرة في سفرين مختلفين أولى منهما في سفر واحد وهذا هو الذي كان عليه الشيخان أبي بكر وعمر، قال بعض العلماء إن ما عليه الصديق وعمر وعثمان لاشك أنهم حجوا مع رسول الله وعلموا هدي النبي ولا يمكن أن نسفه قولهم أو نعتقد أنهم خطأ لأنهم رضي الله عنهم أعلم الناس بالشرع فالذي اختاروه يدل على أنهم فهموا أن التمتع إنما هو خاص بالصحابة الذين معه ومن لم يكن معه بعد ذلك فإن الإفراد في حقهم أفضل هكذا يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن الحقيقة حث النبي على التمتع وترغيبه أمر المسلمين به يدل على أفضليته ومن أحرم بعمرة في سفر وحج في سفر فهذا خير لكن يبقى أن النبي أمر الصحابة بأن يحولوا قرانهم وإفرادهم إلى تمتع أن ذلك التمتع هو الأفضل وهو الأولى، وهو الأكمل، وهو الذي اختاره الإمام أحمد رحمه الله فإن الإمام أحمد قال: لا أشك أن النبي حج قارنا والمتعة أحب إلي، قال موسى بن شبيب يا أحمد بن حنبل كل شيء منك طيب إلى قولك بفسخ الحج العمرة قال كنت أظنك عاقلاً قبل اليوم عندي فيه عشرون حديث عن رسول الله أدعها لقول أي إنسان، فالإمام أحمد يقول: تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بفسخ الحج إلى العمرة، وتواتر أنه أمر الصحابة أن يفسخوا حجهم سواء قارنين أو مفردين إلى أن يجعلوه عمرة لأن الصحابة أحرموا مع رسول الله كما أخبرت عائشة منهم من لبى بالحج ومنهم من لبى بالعمرة ومنهم من جمع بينهما، فالنبي صلى الله عليه وسلم على الصفا أو على المروة أمرهم جميعا من لم يكن معه هديا أن يجعلها عمرة ولهذا لما أتى علي ابن فاطمة قبل أن يرها طيبة أنكر عليها بهذا أمر أبي فلما أثنت، قال نعم صدقت، فدل على أفضلية التمتع وأنه أفضل الأنساك.
ثم يأتينا موضوع آخر وهو اشتراط المحرم عند إحرامه أن محله حيث حبس جاء في حديث ضباعة بنت زبير لما دخل عليه النبي قالت: أريد الحج وأنا شاكية، قال: "حجي واشترطي أن محلي حيث تحبسني، اشترطي فإن لك على ربك ما اشترطتي"، قال العلماء: هذا الحديث يدل على أنه يشرع للإنسان عند الإحرام أن يقول لبيك اللهم عمرة متمتعا بها إلى الحج فإن حبسني حابس فمحلي حيث تحبسني، أو لبيك حجا فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، أو لبيك عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث تحبسني العلماء في هذا الحديث اختلفوا منهم من قال: إن هذا يد على أن الاشتراط مستحب لجميع الحجاج ولا فرق بين الصحيح والمريض والنبي قال لضباعة: "حجي واشترطي أن محلي حيث تحبسني فإن لك على ربك ما اشترطتي"، فيستحب الاشتراط ولهذا الحنابلة رحمهم الله قالوا ويستحب قوله اللهم إني أريد كذا فيسره لي وإن حبسني حابس فمحلي حيث تحبسني، ومن العلماء من قال هذا خاص بقضية معينة وهو أنه دخل عليها وهي شاكية مريضة فمن كان مريضا يخشى فيشترط، ومن ليس كذلك فيشترط هذا قول، وبعضهم أنكر كإبن عمر وقال ما هذا الاشتراط النبي حج ولم يشترط، لكن بالحقيقة أن الاشتراط فيه مصالح ومنافع لاسيما في هذا الزمان، وإن كان في السيارات فالحوادث كثيرة والاشتراط به راحة بال وتخليص للإنسان فيما لو طرأ طارئ عليه فلعل الاشتراط أولى والحنابلة رؤوا سنيته أخذوا من علوم هذا الحديث وإلا بعضهم يقيده بمن هو فيه ضرورة، وبعضهم يلغيه مطلقا ولكن لو أخذ الإنسان به أرجوا أن لا حرج عليه.
قال العلماء رحمهم الله والقارن والمتمتع عليهما دم الهدي لأن الله يقول في كتابه العزيز(فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)، فدل على أن المتمتع يجب عليه الهدي وهي شاة أو سبع بقرة أو سبع بدنة هذا المتمتع بنص القرآن، يبقى منا القارن هل هو داخل في هذا أم لا؟ الجمهور الصحابة يفهمون أن التمتع في القرآن عام لكل نسكين في سفر واحد فصل بينهما بحل أم لا، لأنهم يرون أن القران تمتع والتمتع فيه أنه أتى بنسكين في عام واحد، فقالوا: إذا المتمتع عليه دم سواء كان فصل بتحلل أو لم يفصل بتحلل فكلهما سواء، لأن الصحابة فهموا التمتع على جمع النسكين في عام واحد، أما المفرد فلا دم عليه لأنه عمل واحد ثم المفرد لا يشرع له عمرة بعد الحج مباشرة وإنما يشرع له أن يكون عمرته مستقلة وحجه مستقل ولكن لو اعتمر لأنه لم يتمكن من ذلك فأرجوا ألا حرج عليه، قال العلماء ويجب الدم على المتمتع بشروط أولا: أن ينوي عند الإحرام بالنسك التمتع أو القران، ثانيا: أن يكون حجه وعمرته في عام واحد ليكون متمتع، وأن يكون إحرامه بالعمرة في أشهر الحج وأن يتحلل منها قبل الحج هذا هو شروط الوجوب الدم على المتمتع، والقارن مثله لكن القارن أداها الأول نسك في الحج لكنه ما تحلل، قال العلماء: ويستحب للمحرم بعد إحرامه أن يتقي الله ويعلم أنه تلبس بنسك عظيم دعا الله إليه وأرشد إليه فليتقي الله بنفسه وليذكر قول الله جل وعلا: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )، فالله جل وعلا قال: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، فيجتنب الرفث وهو ما يخص النساء تحدثا فعلا وكذلك الفسوق والعصيان والأقوال السيئة البذيئة والجدال بالباطل، فإنه في عبادة وطاعة لله يقبل عليها بقلبه ويكون مخيبتا لله، فإن الحاج يجب أن يكون مخلصا لله متواضعا لله، محمد صلى الله عليه وسلم كان خير الناس تواضعا وأعظم الناس ذلا لله وخضوعا له، وليكن ذا مروءة وبذل للمعروف وداعيا إلى الله وليكن لسانه ذاكرا وأعماله صالحة وليخلص لله أقواله وأعماله وليستقم على الطريق المستقيم وليتعرض لإجابة الدعوة لاسيما في هذا الموقف العظيم.
فإن الحاج يشرع له أن يعيد التلبية بعد ذلك، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، كان سلفنا الصالح يجهرون بها حتى قال ابن عمر كانت تبح حلوقهم قبل أن يبلغون الروحاء يجهرون بها ويعلونها ويصيروا عندهم من الخشية والخوف من الله والبكاء والذل لله ما الله به عليم، تلك القلوب المخبتة والقلوب المنيبة لله أولئك القوم الذين أخلصوا لله أعمالهم وأخلصوا لله نياتهم وصدقوا مع الله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).
أسأل الله أن يوفقني وإياكم لصالح القول والعمل، وأن يوفق المسلمين للحج ببيته الحرام وأن يؤمنه من كل مكروه ويدفع عنهم كل سوء وأن يدحض من أراد بالمؤمنين شرا، وأن يوفق إمام المسلمين عبدالله بن عبد العزيز لكل خير وولي عهده وحكومته وأجهزة الأمن أن يوفقهم للقيام بهذا الواجب العظيم ويمدهم بعونه وتوفيقه فإنهم في عمل مهم وعمل عظيم، وجهود متواصلة فلهم منا الدعاء أن يوفقهم الله ويسدد خطاهم ويكل مساعيهم بالنجاح ويجعلهم إن شاء الله ممن يعمل لله وأن يجعل ما يقدمونه للمسلمين في ميزان أعمالهم إنه على كل شيء قدير، وأن يجزي هذه المؤسسة الخيرية الدعوة الخيرية خير ويوفق القائمين عليها والمنفقين عليها لما يحبه الله ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملف المحاضرة: 
http://haj.af.org.sa/sites/default/files/ls--mufti_nosk.mp3